أحمد بن محمد القسطلاني

205

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ربكم حقًّا } [ الأعراف : 144 ] ولم يذكر سيبويه معنى الإعلام البتّة بل قال : وأما نعم فعدة وتصديق ، وأما بلى فيوجب بها بعد النفي وكأنه رأى أنه إذا قيل هل قام زيد ؟ فقيل : نعم فهي لتصديق ما بعد الاستفهام والأولى ما ذكرناه من أنها للإعلام إذ لا يصح أن يقال لقائل ذلك صدقت لأنه إنشاء لا خبر ، وليعلم أنه إذا قيل : قام زيد فتصديقه نعم وتكذيبه لا ويمتنع دخول بلى لعدم النفي ، وإذا قيل ما قام زيد فتصديقه نعم وتكذيبه بلى ، ومنه : { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى } [ التغابن : 7 ] ويمتنع دخول لا لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي ، وإذا قيل أقام زيد فهو مثل قام زيد أعني إنك إذا أثبت القيام نعم ، وإذا نفيته لا . ويمتنع دخول بلى . وإذا قيل : ألم يقم زيد فهو مثل لم يقم زيد فتقول إن أثبت القيام بلى ويمتنع دخول لا وإن نفيته قلت نعم . قال تعالى : { ألست بربكم قالوا بلى } [ الأعراف : 172 ] . وعن ابن عباس أنه لو قيل : نعم في جواب { ألست بربكم } كان كفرًا ، والحاصل أن بلى لا تأتي إلا بعد نفي وأن لا لا تأتي إلا بعد إيجاب وأن نعم تأتي بعدها ، وإنما جاز { بلى وقد جاءتك آياتي } [ الزمر : 59 ] مع أنه لم تتقدم أداة نفي لأن : { لو أن الله هداني } [ الزمر : 57 ] يدل على نفي هدايته ومعنى الجواب حينئذٍ بلى قد هديتك بمجيء الآيات أي قد أرشدتك بذلك . وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء والنسائي في المناقب . 2369 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ : رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ : الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ » . قَالَ عَلِيٌّ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - غَيْرَ مَرَّةٍ - عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وبه قال : ( حدّثنا ) ولأبي ذر : حدّثني ( عبد الله بن محمد ) البخاري المسندي قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( عن عمرو ) هو ابن دينار ( عن أبي صالح ) ذكوان ( السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( ثلاثة ) من الناس ( لا يكلمهم الله يوم القيامة ) عبارة عن غضبه عليهم وتعريض بحرمانهم حال مقابلتهم في الكرامة والزلفى من الله ، وقيل : لا يكلمهم بما يحبون ولكن بنحو قوله : { اخسؤوا فيها ولا تكلمون } [ المؤمنون : 108 ] ( ولا ينظر إليهم ) نظر رحمة أولهم ( رجل حلف على سلعة ) ولأبي ذر : على سلعته ( لقد أعطى ) بفتح الهمزة والطاء لمن اشتراها منه ( بها ) أي بسببها ولأبي ذر : أعطي بضم الهمزة وكسر الطاء مبنيًّا للمفعول أي أعطاه من يريد شراءها ( أكثر مما أعطى ) بفتح الهمزة والطاء أي دفع له أكثر مما أعطى زيد الذي استامه ( وهو كاذب ) جملة حالية ( و ) الثاني ( رجل حلف على يمين كاذبة ) أي محلوف فسمى يمينًا مجازًا للملابسة بينهما والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلاّ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة ( بعد العصر ) قال الخطابي : خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت لأن الله عظّم هذا الوقت ، وقد روي أن الملائكة تجتمع فيه وهو ختام الأعمال والأمور بخواتيمها فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها ( ليقتطع بها مال رجل مسلم ) أي ليأخذ قطعة من ماله ( و ) الثالث ( رجل منع فضل ماء ) زائد عما يحتاج إليه ولأبي ذر فضل مائه ( فيقول الله اليوم أمنعك فضلي ) بضم العين ( كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ) . ( قال عليّ ) هو ابن المديني : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( غير مرة عن عمرو ) هو ابن دينار أنه ( سمع أبا صالح ) ذكوان السمان ( يبلغ به النبي ) أي يرفع أبو صالح الحديث إلى النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فيه إشارة إلى أن سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرًا ولكنه صحح الموصول لكونه سمعه من الحفاظ موصولاً ، وقد أخرجه أيضًا عمرو الناقد فيما أخرجه عنه عن سفيان . ومناسبة الحديث للترجمة من حيث أن المعاقبة وقعت على منع الفضل فدلّ على أنه أحق بالأصل ، وقد مضى هذا الحديث في باب : إثم من منع ابن السبيل من الماء . 11 - باب لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا ( باب ) بالتنوين ( لا حمى إلا لله ولرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) الحمى بكسر الحاء وفتح الميم من غير تنوين مقصورًا وهو لغة المحظور واصطلاحًا ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها ويمنع سائر الناس الرعي فيه . 2370 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ » . وَقَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ . [ الحديث 2370 - طرفه في : 3013 ] . وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) بضم الموحدة وفتح الكاف قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد ( عن يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن عبيد الله ) بالتصغير ( ابن عبد الله